محمد أبو زهرة

1169

زهرة التفاسير

تؤدى ، فينزعه منه غيره ، وكذلك سنة اللّه تعالى في الحكم بين الناس : من لا يسوس الملك يخلعه ، ومن حل محله ينزل به ما نزل بسابقة إن سار سيرته . وكلمة « الملك » ليس المراد منها ما تعارفه الناس من الحكم بمقتضى الوراثة في أسرة ، إنما المراد بالملك السلطان في هذه الأرض ، سواء أكان سلطانا بالغلب ، أم كان سلطانا بالاختيار والانتخاب ، أم كان سلطانا بالوراثة ، وسواء أكان محدودا بجزء من الدولة ، أم ناحية من نواحيها ، أم كان عاما شاملا لكل أجزائها تجتمع في يد صاحبه كل السلطات فيها ، فكل هذا ملك لأنه سلطان . وقد ذكر سبحانه بعد ذكر الملك يعطيه من يشاء وينزعه ممن يشاء العزة ، فقال : وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ العزة ليست مرادفة للسلطان ، وإن كان الأصل في كلمة عزّ معناها غلب ؛ ومن ذلك قوله تعالى : وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) [ ص ] ولكن العزة صارت تستعمل بعد ذلك في معنى نفسي ، وهو عدم الخضوع إلا للحق ، والتسامى عن الخضوع الذي ينافي المروءة والخلق الكريم ، وقد يكون ذلك في ضعيف في بدنه مستضعف عند الناس ، ما دام قد علا عن الخضوع إلا لذات اللّه تعالى ؛ وإن صهيبا وآل ياسر ، وخباب بن الأرتّ وغيرهم ، كانوا وهم المستضعفون في مكة الأعزاء في أنفسهم ؛ لأنهم لم يجعلوا قلوبهم مراما للأقوياء ، فلا عزة إلا مع الإيمان باللّه وحده ، والاعتماد عليه وحده ؛ ولذلك لا يكون المنافقون مهما يؤتوا من مال ونسب وسلطان إلا أذلاء . ولما قال المنافقون في شأن المؤمنين : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ . . . ( 8 ) [ المنافقون ] . نفى سبحانه وتعالى عنهم العزة فقال سبحانه : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 8 ) [ المنافقون ] . وكيف يكون المنافق عزيزا وهو الذي جعل نفسه وفكره ولسانه ملكا لغيره ؟ فهو قد سلب كل شيء حتى قلبه ولسانه . ومشيئة اللّه تعالى في العزة والذلة تسير على مقتضى حكمته ، فهو لا يعطى العزة إلا لمن خلّص قلبه من كل أدران الهوى والشهوة ، فالشهوات مردية ، ولا